
صوت التلفاز بالخارج يصم أذني إلى حد لم أعد أتحمله على الإطلاق .. كل محاولاتي معه باءت بالفشل … لا يستمع إلى نهائياً و يعتبر قراره بأن يستمع إلى المباراة و كأنه بالإستاد غير قابل للتفاوض ..
لا أستطيع أن أتحمل أكثر من ذلك .. يكفيني بالكاد ما أنا فيه من عناء بعدما أعود من عملي .. أقف بالمطبخ وحيدة .. يغرقني العرق و الحرارة العالية الصادرة من الفرن تلفح وجهي من حين لآخر .. تباً ..
” أسااااااااامه .. لو سمحححت وطي الصووت .. أنا تعبت بجد .. بجد حراام ” .. قلتها بعصبية حاولت أن أظهرها له و أنا أخرج من المطبخ ناظرة إليه و هو يجلس و إلى جواره إبنى الوحيد ذو العشر سنوات ..
رد على فى سرعة دون أن ينظر إلي ” أعملك إيه يعنى .. و اسمع أنا الماتش إزاى .. على فكرة أنا جعان خلصي الأكل بسرعة ” ..
كدت أن أفقد صوابي ” يعنى أعمل أنا الأكل إزاى يعنى و انته قالبلى البيت قهوة .. و انته يا سى تامر قوم شوف الواجب إلى وراك .. مش فى واجب المس إدتهولك فى المدرسة .. ”
” بابا قالي أتفرج ع الماتش معاه ” هكذا رد هو الآخر دون مبالاة فى حين لم يعلق والده على الأمر و كأن القضية لا تخصه ..
” ياااادى النيلة على- بابا قالي – دى إلى طالعلى فيها .. هيفضل بابا يقول لغاية ما الواد يضيع ” .. تمتمت بعصبية حاولت أن ألاشيها درءاً لصراع لا سبب وجيه لقيامه الآن …
دخلت إلى المطبخ من جديد و أنا العن اليوم الذي قررت فيه الزواج و ” الخلفة ” و ” العيشة الهباب ” .. - كانت شورة مهببة بستين نيلة – لا يشعر بى أحد على الإطلاق .. فليذهبوا إلى الجحيم إذن .. سأجهز الطعام و أدخل لأنام و ليحاولن أحد إيقاظي إن استطاع ..
كلما تذكرت وقتما كنت لا أزال فى بيت والدي – حتى و إن لم تكن أفضل الأيام – إلا أنني أشعر و كأنها أروع ما قد يراه المرء على وجه الأرض ..
ينتابني شعور من الحين للآخر بأنه على أن أترك كل ما أنا فيه و أذهب الى أبعد مكان .. أنام على ذلك السرير المعلق بين جذعي النخل .. أن تسقط فوقى ثمرة (جوز هند) طاااا …
” ماما .. ماما .. إيه رأيك فيا كده .. ” .. كانت ابنتي ذات الأربع سنوات تجذبني من طرف ثوبي بدرجة مستفزة – لم أتحملها للحظات – حتى كدت أن أطيح بها من الشباك الى جواري ..
رددت عليها بهدوء .. ” عايزه إيه يا (ساندرا) .. عايزة إيه يا حبيبتي .. ” ..
بغض النظر عما أنا فيه من ضغط عصبي و ضيق شديد و ربما حنق واضح مما يفعله (أسامه) .. إلا أنني أحاول قدر الإمكان ألا يؤثر ذلك على أبنائي و بالذات (ساندرا) .. لا أعرف السبب الحقيقي وراء معاملتي الخاصة لـ (ساندرا) ..
” إيه رأيك فيا كده .. ” قالتها مبتسمة بتلك الابتسامة الجميلة التي تمنيت يوماً أن أمتلك مثلها ..
كانت قد حاولت أن تضبط خصلات شعرها بطريقة بدت لي مثيرة للضحك بشكل كبير .. ابنتي تحاول أن تصبح فتاة .. ربما تحاول التشبه ب ” سلمى ” ابنة جارتي و التي تكبرها بما يقارب العشر سنوات أو أكثر ..
انحنيت و أنا أحيط وجهها براحتي يدي و أنا فى مشاعر متضاربة بين الفرح و الحنق المتراكم .. ” طبعا جميلة يا حبيبة ماما .. “ .. ” بس ممكن نسيب ماما تكمل الأكل عشان بابا جعان وعايز ياكل ” ..
تركتني بابتسامة أكبر و دخلت الى غرفتها من جديد .. عدت لاستكمال عملية الطبخ و قد إنتابتنى نوبة ” ابتسام ” أنا الأخرى – إن صح التعبير – .. ابنتي تحاول أن تصبح فتاة و جميلة … تذكرني بأيام صباي .. ما أكثر ما حاولت أن أفعل ما تفعله أختي الجامعية أمام المرآة وحيدة فى البيت بعدما ارتدت الحجاب و هي بالمدرسة الإعدادية .. و ها هي ” ساندرا ” تعيد الكرة مرة أخرى ..
أبتسم من جديد .. يا لسرعة الأيام لم أكن أتخيل أن تصبح لدى ابنة تصفف شعرها أمام المرآة ..
” جوووووووووووووووووووووووون ” هكذا جاءني الصوت من الصالة بالخارج .. هززت رأسي فى يأس و قد بدأت فى ” السرحان ” قليلاً بعدما امتلأ المطبخ برائحة الطعام المطهي …
————————————
قبل 27 عاماً
لا زلت أتذكر و بقوة المرات الأولى التي حاولت أن أقلد بها (علياء) .. تكبرني بأكثر من خمسة عشر عاماً ..
كان الأمر بالنسبة لفتاة مثلى فى السادسة من عمرها مدعاة للاهتمام المطلق و المراقبة الدائمة .. تقف أختي أمام تلك المرآة و هي تدور يميناً و يساراً لترى إن كانت أجمل أم لا .. تغير ملابسها كل دقيقتين .. لترى إن كان هذا أفضل أم ذاك ..
تضع تلك المساحيق التي تمنعها والدتي من استخدامها وقت نزولها الى الجامعة .. و تقف أمام المرآة مساءاً بالساعات حتى تصرخ والدتي بها بأن عليها أن تذاكر لأن الامتحانات اقتربت .. و أن ” الى بيشيل قربة مخرومة بتخر عليه لوحده ” ..
كنت أتعجب حينما أراها فى أجمل صورها فقط فى البيت .. تصفف شعرها و تضع المساحيق و تجمل نفسها ثم تجلس لتتحدث مع صديقاتها بالهاتف .. ربما ربطت ذلك تلقائياً بارتدائها للحجاب ..
لكن لم أكن أسألها عن الأسباب وراء ما تفعل .. كنت أراها دوماً المثل الذي يحتذى به …
كنت أقف أمام المرآة كما كانت تفعل بالضبط .. لكنني لم أجرؤ يوماً أن أخرج تلك المساحيق من مكانها أو أن أجربها – حتى فى حضورها – إلا مرة واحدة ولم أكررها بعدها.. أصبحت تلك الأشياء تمثل بالنسبة لي خطاً أحمراً و لربما أملاً سأعيش من أجله ..
كل ما كان أمامي حينها هو أن اصفف شعري .. لم تكن أمي تهتم بى على الإطلاق .. كل ما كانت تفعله دوماً هو تحويل شعري الى ” ديل الحصان “ .. و أحيانا ما كانت تحوله الى ” كعكة ” عجيبة الشكل بعد دهانه بالزيت كلما استحممت ..
أقصى ما كنت أشعره من اهتمام بشعري مثلاً كان بقص أطرافه كل فترة كي يصبح طويلاً ..
لم أضع يوماً ” المونيكيير ” و أنا صغيرة .. المرة الأولى التي وضعته بها كنت فى سن العاشرة .. حفل زواج ابن خالتي كان مناسبة تحتم عليهم تجميلي قدر المستطاع حتى و إن كنت فى العاشرة من عمري ..
أمي كانت تتبع مبدأ .. ” اكسر للبنت ضلع يطلعلها أربعة و عشرين ” .. لذلك شعرت كثيراً أنها لا تهتم بمظهري و أخوتي الفتيات ..
لكنني بعد مرور كل السنوات لا أستطيع أن أمح من ذاكرتي المرة الأولى التي حاولت فيها أن أستخدم تلك الأدوات .. كان يروقني و بقوة ذلك الإصبع المتعدد الألوان المسمى ” روج ” .. لا أدرى ما السبب وراء ولعي به .. ولع الكثيرين به أيضا و هم صغار ..
أعلم جيداً الآن أن ما فعلته كان خطأ من الأساس .. استخدمت أشياء لا تخصني دون إذن .. كنت قد أقنعت نفسي حينها أنني لي الحق فى استخدامها أنا الأخرى .. بغض النظر عن كل هذا كان رد الفعل قاسياً الى درجة كبيرة .. أظنها الآن غير متناسبة مع ما حدث ..
كانت (علياء ) قد قامت من أمام المرآة و تركت الأدوات التي كنت أسميها حينها ” لِعب الوش ” ملقاة بعشوائية على ” التسريحة ” .. حاولت أن أضع بعضاً من تلك المساحيق .. لا أنكر فرحى حينها .. أمسكت قطعة الإسفنج الدائرية و حاولت أن أضع البعض من المسحوق على وجهي .. القلم ” الروج ” هو الآخر .. حاولت عابثة أن أقلد (علياء) فيما تفعل ..
خرجت من الغرفة و ذهبت الى (علياء) فرحة .. ” علياء .. علياء .. إيه رأيك فيا كده ” …
لازلت أتذكر و بقوة نظرة الفزع و الضيق فى عينيها ” إيه الى إنتى نيلتيه دا يا زفته .. و الله لأقول لماما ” .. لم أكن افهم ما سر ضيقها .. و فجأة .. ” ماماااااااااااااااا .. يا مامااااا … تعالى شوفي زفتة الطين هببت إيه .. ” ..
و بدون أى مقدمات كانت (علياء) تشدني من ملابسي بعنف متجهة بى حيث تجلس والدتي ..
نظرة الفزع فى عين والدتي هي الأخرى .. لدقائق شعرت أنني قد فعلت شيئاً مفزعاً الى الدرجة التي تدعوهم الى هذه النظرات العجيبة .. و ..آآ……. طرااااخ ..
لأول مرة تضربني والدتي على وجهي .. و لأول مرة أشعر فى السادسة من عمري أن ضرب الوجه لا يؤلم فقط بل يهين .. لأول مرة أشعر بالإهانة ..
تركتني أعدو الى غرفتي أبكى مع بعض اللعنات على ” خلفة البنات ” … و ” شيلى الهباب الى على وشك دا .. و أنا لما ابوكى يرجع هخليه يعرف يتصرف معاكى إزاى … إنتوا كلكوا عايزين تربية من جديد ” ..
لم أكن مصدقة لما حدث .. ظلت عيني شاخصة حتى وصلت الى غرفتي و فجأة انفجرت فى البكاء و قد دفنت وجهي بالسرير ..
سمعت صراخ والدتي فى علياء بالخارج و صراخ علياء بالتالي دفاعاً .. لا أتذكر ما كان يدور بالخارج .. لقد .. لقد ضربتني والدتي على وجهي .. أما عما فعله والدي ليلاً فحدث ولا حرج .. لازالت أتذكر ذلك اليوم .. أعتقد أنني لن أنساه طالما حييت ..
لا أعرف حتى الآن لم كان رد الفعل قاسياً .. كل ذلك لأنني حاولت عبثاً أن أبدو كفتاة .. أن أبدو جميلة .. عبثاً ..
————————————
استيقظت من ذكرياتي على صوت جرس الباب يدق .. قام (أسامة) متأففاً من أمام التلفاز .. أشرت الى (تامر) بسرعة أن يحضر إلى الإسدال من غرفة النوم و وقفت خلف باب المطبخ لأرى من بالضبط بالانتظار على الباب ..
حينما فتح (أسامة) الباب كان (تامر) قد ناولني الإسدال و فى سرعة إرتديته .. نظرت نظرة خاطفة و أنا أكمل ارتدائه على عجل .. يبدو أنه أحد محصلي الفواتير ..
اكتشفت أخيراً أنها فاتورة الكهرباء بعدما وقفت خلف (أسامة) .. بعض الحديث عن الأقساط المؤجلة و الزيادة فى الاستهلاك .. و ” لا مش عندنا تكييف .. هو دا الى بيسحب .. ” .. ” طب نعمل إيه .. الفرع الرئيسي .. ما إحنا رحنا قبل كده ” .. و و و ..
لا فائدة .. هؤلاء لا تستطيع أبداً أن تأخذ معهم حق ولا باطل ..
دخلت الى غرفة النوم لأحضر ما يجب دفعه .. (ساندرا) لا تزال أمام المرآة .. لا تزال فى محاولاتها البائسة لضبط خصلات شعرها ..
غازلتها فى سرعة و أنا أخرج فى خفة لأعطى المال لـ (أسامة) ..
فى طريقي الى المطبخ كان (أسامة) قد أغلق الباب و بدأت مرحلة السباب و اللعنات .. ” ملعون أبوهم .. كلهم ولاد كلب أصلاً .. تلاقيه طالعله فى البتاعة دى مش أقل من 30 جنيه .. بلد بنت ستين فى سبعين صحيح ” ..
للمرة الألف أقول له ألا يسب و يلعن بهذا الشكل أمام الأولاد لدرجة اننى ما عدت آبه بما يفعله حالياً ..
فى الحقيقة لا أدرى أيضاً كيف يكون لذلك العامل البسيط 30 جنيه على الأقل .. و لن أناقشه فى هذا أيضاً ..
لأكثر من أحد عشر سنة لم استطع تغييره .. و ليس هذا الوقت المناسب للحديث عن الأفكار و الآراء الآآآآ ..
كاد أن” يفور ” ما فى إحدى الأواني .. سيطرت على الوضع سريعاً .. اللعنة على الكهرباء و الفواتير و التفكير ..
————————————
قبل 22 عاماً
لم أكن أعرف حقاً ما أنا مقبلة عليه .. حتى أنني ضحكت كثيراً عندما عرفت أن هنالك مخدر و طبيب و أشياء من هذا القبيل ..
لم يحدثني أحد عن تفاصيل الأمر و إن استطعت أن أعرف من الخارج .. مجتمع المدرسة فى المرحلة الإعدادية مرحلة عجيبة حيث الكلام عن كل شئ و أى شئ .. و الفضول المكتوم يجتاح الجميع ..
لا أنكر اننى كنت خائفة بعض الشئ .. فقد هول لي البعض الأمر .. قالوا أشياء عجيبة لم أصدقها بطبيعة الحال و إن أخافتني كثيراً .. لكن يبدو لي أن الأمر لابد منه على أيه حال .. يقولون أنه من الدين .. لا باس إذاً .. الأمر لابد منه ..
يومها .. أتذكر جيداً أننا ذهبنا الى العيادة .. أصبح الأمر أكثر تحضراً و قانونية إذاً ..
حاولت أن أكون مطيعة .. لكن للحظات اجتاحني خوف شديد الى الدرجة التي ظننت معها اننى سأترك المكان و أركض ..
بقيت صامته معظم الوقت .. ولم تعرني والدتي أى انتباه .. كان وجهها كالحجر و كأنها بانتظار زوال هم لا يمكن تحمله ..
حينما جاء الوقت .. لم أستطع أن أتحرك من مكاني ..
أتدرون .. أنا لم أقل هذا الكلام يوماً لأحد .. لكنني لم أكن خائفة .. كنت مفزوعة ..
دوماً كانت وجهة نظري عن العمليات أنها تتم لمن يشعر بالمرض .. إذن لم سأدخل الى الطبيب دونما أى شكوى ..
شعوري للحظات أن جزءاً من جسدي سينتزع .. أنا لا أشعر بألم .. هم من سيجعلونني أشعر بالألم ..
يظنون أن الألم لن يدوم أكثر من اسبوعين .. إنها مقاييسهم الجائرة .. ألم تشعر أمي بما شعرت به !!
إنهم لا يعرفون شيئاً عما ظللت أشعر به طوال حياتي ..
حاولت معهم ألا ادخل الى الطبيب .. رجوتهم .. شعرت للحظات أنني سأموت بالداخل ..
” عشان خاطري يا ماما .. مش عايزة أدخل .. و النبي .. عشان خاطري ” .. كدت أبكى .. حاولت أن أتشبث فى الكرسي أكثر و أكثر ..
محاولاتي معها كلها باءت بالفشل .. و لم يكن بيدي حيلة ..
قمت فى هدوء .. سرت فى صمت و أنا أرتجف خوفاً ..
حاولت عبثاً أن أحمِ نفسي .. حاولت !!
————————————
” يا إسرااااء .. يا ست هانم .. أنا جعان .. إنتى لو بتخترعي الذرة كنتى خلصتى .. ” هكذا جاءني صوت (أسامة) من الخارج يصيح حنقاً مع صوت المباراة العالي ..
أجبت فى عصبية أنا الأخرى … ” يعنى أعملك إيه إن شاء الله … شايفنى قاعدة بلعب .. ما أنا شغالة أهو من ساعة ما جيت من الشغل .. ولا هو كن فيكون ” ..
” هو حد قالك تشتغلي .. متنرفزينيش و النبي .. موضوع الشغل دا خانقنى و أنا مش فايقلك .. إنجزي و حياة ابوكى ” ..
لم أرد .. و لم أعره اهتماماً .. إنه يستغل أى فرصه لفتح قضية العمل من جديد .. بالفعل يثير غيظي و ضيقي ..
أخبرته كثيراً بأنني لن أتخلى عن وظيفتي و أنه لابد و أن يشجعني على ذلك لا أن يتعامل مع و كأنني خادمة ربما يتخلص منها يوماً إن لم ترق له .. دون فائدة ..
————————————
قبل 12 عاماً
كنت قد تخرجت لتوى من الجامعة .. تقدير جيد جداً تقدير كاف فى ذلك الوقت كي أنال الفرصة التي أتمناها فى العمل ..
عملي كمحررة لجريدة المحافظة فى بدء الأمر لم يكن هو حلمي من الأساس .. لكنه كان بداية الطريق ..
جاءتني فرصة للعمل بفرع جريدة شهيرة بالإسكندرية .. لم أتمالك نفسي من الفرحة .. عدت الى المنزل يومها فى حالة عجيبة من البهجة ..
كل سنوات الدراسة لم تذهب هباءاً … حمداً لله .. لم أكن أتخيل أن أبواب السماء ستفتح لي بعد عدة شهور فقط من تخرجي ..
عندما عدت الى البيت كانت أختي و زوجها و أبنائها قد جاءوا فى زيارة مفاجئة ..
الكثير من التحيات و القبلات .. و ” أخبارك إيه .. و وحشاني .. أخبار العيال إيه .. مغلبينك إيه بس دول زى السكر ” ..
تحدثت معها عن العمل و عن آخر التحقيقات .. و ” اسمي الى منور الجرنان ” ..
ثم .. ألقيت بالمفاجأة بكل فرح و حذر .. ” أنا جالي شغل فى إسكندرية !! ” ..
نفس نظرات الفزع التي رأيتها يوماً منذ 15 عاماً .. شعرت بقشعريرة تسرى فى جسدي .. انتابني شعور بأنه علىّ أن أتحسس وجهي ..
نظرات أمي ثبتت على للحظات .. ثم .. ثم نطق زوج أختي مستهزئاً … ” إسكندريييه .. قولتيييلى .. هههه .. و هتقعدى مع مين إن شاء الله يا ست الحسن و الجمال “ ..
شعرت بإحباط عجيب و أجبت فى هدوء ” لوحدى يا إبيه .. عادى هأجر شقه و أقعد ” ..
أجابت أختي و على نظرات زوجها استهزاء واضح .. ” إزاى بس يا إسراء .. تقعدى لوحدك فى بلد غريبة ” ..
” و فيها إيه يعنى يا علياء .. هو أنا رايحة مدغشقر .. دى إسكندرية .. أنا لو نزلت القاهرة .. أكون فى إسكندرية بعد تلت ساعات بس ” ..
نطقت أمي أخيراً .. ” إنتى هابلة يا بت إنتى .. تقعدى لوحدك إزاى يعنى .. لا لازم يكون معاكى راجل ” ..
أجبت فى ضيق .. ” و هيعملي إيه الراجل يعنى .. هيحمينى ولا يبقى معايا عشان لما أروح بليل من الشغل متأخرة … أصل الناس ممكن تقول عليا بنت وحشة من إياهم .. هاه ” ..
أردفت .. ” أنا بنت بألف راجل .. و بتهيألى إنتى عارفه الكلام دا كويس يا ماما .. مش تكسرى مقاديفى لو سمحتي ” ..
بعض الضحكات و التريقة من زوج أختي .. و محاولات بائسة منى لإقناعهم ..
ثم قالت والدتي .. ” أنا معادش ليا كلام معاكى .. ابوكى لما ييجى يتصرف .. أنا زهقت .. دلعناكي كتير ..و بقيتى تتبترى ع النعمة الى إنتى فيها كمان … حاجه تقرف ” …..
عندما جاء والدي كنت قد بدأت أتوجس خوفاً .. معنى عدم موافقة والدتي أن والدي بالتالي سيكون رأيه أكثر تشدداً ..
” معنديش بنات تبات برا البيت ” .. أجبت فى ضيق ” يا بابا .. هو أنا هبات فى الشارع .. ما أنا هبات بين أربع حيطان .. ما هو لو لينا حد قريبنا هناك كنت قعدت عنده .. بس مفيش .. أعمل إيه يعنى .. “
رد بكل بساطة ” يبقى مفيش شغل .. ريحي دماغك و ريحينى أنا مش فايق لوجع الدماغ دا ” ..
صحت .. ” أمال أنا ذاكرت و تعبت ليه … عشان أقعد فى بيتنا .. ” ..
رد دون أن ينظر لي .. ” عشان يبقى معاكى شهادة و تشوفيلك شغلانة جنب البيت على ما تتجوزى و تاخدى بالك من جوزك و عيالك “ …
أثار الكلام حفيظتي بعنف و قلت .. ” يعنى أنا عايزة أفهم .. لو طارق جاله شغل فى الوادي الجديد حتى .. مش هيروح ” ..
أجابت والدتي ” طبعا يروح ” .. ثم أردفت ” ولد و بيكون نفسه ولازم يشق طريقه و ربنا يكون فى عونه .. ” ..
أجبت .. ” طب ياا ماممممـ .. “
قطع أبى كلامي .. ” خلاص .. أنا قلت كلمة و هتتنفذ .. ومش عايز كلام كتير .. طول ما إنتى فى بيتى تسمعى الكلام و إنتى ساكتة ” ..
كان حلمي أن أعمل و أصبح محررة شهيرة .. صحفية ذات شأن .. حطموا أول سلم فى طريق أحلامي و أصبحت مكبلة .. و سأكبل بعدما أتزوج .. سأتحول من وصاية الأب الى وصاية الزوج ..
أظن كثيراً اننى كالأمانة التي لابد و أن يحافظ عليها الجميع بكل ما أوتى من قوة لأنها تخصه – هو فقط – حتى يوصلني آخر مُلاكي الى القبر ..
حاولت أن ” أكون ” .. حاولت عبثاً .. دون فائدة ..
————————————
أنهيت الطعام و على أن انقله وحدي بالتالي الى حيث سيأكل السادة الزعماء بالخارج .. كم اكره ما أنا فيه .. حتى (أسامة) حانقة عليه بشدة .. إنه يتعامل معي و كأنني ماكينة من ماكينات المصنع الذي يعمل به ولا يضع فى حسبانه أبداً اننى كائن بشرى .. دعوني أقول ” كائن ” لا ” كائنة ” لعلى بذلك أكسب رصيداً من حسابي لديه ..
حاولت عبثاً أن أحب قبله لكن زواجي ممن أحب باء بالفشل .. أنسيت نفسي إياه و أفنيت حياتي من اجل أبنائي ..
حياتي معه أصبحت جحيماً مطلقاً .. حتى (تامر) أصبح نسخة مصغرة منه .. لا أستطيع السيطرة عليه إلا فى وجوده ..
حينما جلسنا الى “السفرة” كانت (ساندرا) لا تزال بالداخل ..
” ساندرا .. حبيبة ماما … يلا الأكل جاهز .. ساندراااااا ” ..
” حاضر يا مامى .. ثوانى و جايه .. ” ..
و فجأة و بدون سابق إنذار صاح (أسامة) و هو يقوم من على الطاولة ” هقوم أشوف بنت الكلب دى بتهبب إيه جوا .. ” ..
” أسامة .. أسامة .. هي جااا ” ..
و فجأة سمعت صراخها و صياحه من الداخل .. قمت كالملدوغة اركض الى الداخل .. قابلته فى طريقي يسحبها و قد تلوث وجهها بلون احمر عشوائي .. يبدو أنها استخدمت إصبع ” الروج” الخاص بى ..
” أسامة إيه الى انته بتعلمه دا .. سيب البنت .. ” اختطفتها منه و خبأتها خلفي و أنا أواجهه بنظرات نارية ..
و فجأة صرخت .. ” إياك تضرب ساندرا تانى .. إبقى إتشطر على الضايع الى قاعد هناك دا الأول .. دى لسه مكملتش أربع سنين .. حرام عليك ” ..
ضحكات مكتومة من (تامر) جعلتني أنظر إليه بعنف … ثم .. ” مش هاكل .. أنا هاخد ساندرا و داخله جوا .. “ ..
سمعت لعناته من الخارج .. اعلم جيداً الآن أن ما فعلته حينها ما كان يجب أن يحدث لكن (ساندرا) بالنسبة لي كانت أولوية قصوى و كان يجب أن أتحدى (أسامة) فى ذلك .. يكفى كل هذا العناء …
حينما أدخلت (ساندرا) غرفتي .. كانت تبكى و بشدة .. أجلستها على السرير و أحطتها حتى تخف حدة إرتجافتها ..
حاولت أن أهدئ مما فعلت بالخارج .. ” ساندرا … حبيبة ماما .. بابا مكانش قصده .. بابا كان زعلان عشان ساندرا حبيبته أخدت حاجه ماما من غير ما تستأذنها .. ” ..
” أنا آسفة يا مامى ” .. نطقتها بين بكائها المتقطع ..
” أنا مش زعلانه يا حبيبة ماما .. الى حصل حصل .. أنا عارفه إنتى عملتي كده ليه .. بس ممكن ميتكررش الموضوع دا تانى عشان ماما متزعلش .. إبقى إستأذنينى بس و أنا هعملك كل الى إنتى عايزاه ” ..
” حاضر يا مامى .. ” قالتها دون أن تجرؤ أن تنظر فى عيني ..
أمسكت بمنديل و بدأت فى أن أمسح أحمر الشفاه من على وجهها و أنا أقول ” بس إيه الجمال دا .. أنا عندي بنوتات زى القمر كده و أنا معرفشى ياخواتى ” ..
دخل أسامة فجأة لينظر بنظرة شديدة المعنى الىّ ثم خرج من جديد دون أن ينطق و لو بنصف كلمة ..
تجهمت ” ساندرا” بعدما كانت قد ابتسمت بسبب كلامي ..
قلت ” إحنا قلنا إيه .. بنوتات حلوات بيضحكوا .. ” … زارتها الابتسامة من جديد ..
أخذت فى وضع احمر الشفاه لها .. ضبط خصلات شعرها .. وضع بعضاً من المونيكيير ..
ثم قلت لها ” بس الحاجات دى مش هنحطها فى كل وقت .. إنتى بتشوفي ماما تحط الحاجات دى و هي رايحة الشغل ” ..
أشارت بوجهها فيما يعنى أنه ” لا “..
قلت ” عشان كده مش هنحطها غير فى المناسبات .. أقولك .. مثلا .. ممممم … عيد ميلاد توتي بنت طنط نادية .. فرح سارة .. هظبطك و هتبقى زى القمر .. ماشى يا حبيبة ماما ؟! ” ..
أشارت برأسها بالإيجاب و هي تبتسم .. ثم فجأة إحتضنتنى بقوة ..
لا أدرى حقاً لم افعل ذلك .. لكنني أشعر ما بين الحين و الآخر اننى أحاول عبثاً أن أجعلها ” هي ” .. أن أراها ” هي ” .. لربما أرى فيها ما لم أستطع فعله .. أن أنسى و لو للحظات ” هي ” الملوثة بـ ” هو ” ..
عبثاً أحاول .. لربما يتغير شئ يوماً ما ..
————————————
” حلوة كده يا ماما ؟! .. ” ..
ابتسمت و أنا أنظر إليها و كأنني أحفظ تضاريس وجهها ..
فى حين كتمت بكائي بأعجوبة ..
و قلت .. ” زى القمر يا حبيبتي .. ” ..
معتز المصري
14 أكتوبر 2008